ورام بن أبي فراس المالكي الاشتري
102
تنبيه الخواطر ونزهة النواظر ( مجموعة ورام )
التوبة إذ القليل يدعو إلى الكثير ويصير القلب مقيدا بسلاسل الشهوات فلا يحصل معه وكما قال أمير المؤمنين عليه السّلام الإيمان يبدو في القلب نكتة بيضاء كلما ازداد الإيمان ازداد ذلك البياض فإذا استكمل العبد الإيمان أبيض القلب كله وإن النفاق ليبدو في القلب لمعة سوداء كلما ازداد النفاق ازداد ذلك السواد فإذا استكمل النفاق اسود القلب كله فإذا ينبغي لصاحب العقل الصحيح والقريحة الصافية أن يجالس أهل العلم والخير والصلاح والدين والعفاف ليتزيى ( 2 ) بأفعالهم ويتخلق بأخلاقهم ويجانب أهل الشر والفساد الذين ميلهم إلى الدنيا ولذاتها لئلا يميل طبعه إلى أفعالهم فيهلك * ( باب تهذيب الأخلاق ) * ينبغي للإنسان أن يهذب أخلاقه ويعالجها كما أن المريض ينبغي له أن يعالج بدنه وصحته فلا يعالج كل شيء إلا بضده فعلاج الحار بالبارد والبارد بالحار واليابس بالرطب والرطب باليابس فهكذا أمراض الأخلاق يعالج مرض الجهل بالعلم ومرض البخل بالسخاء ومرض الكبر بالتواضع ومرض الشره بالكف عن المشتهيات تكلفا وكما أنه لا بد من احتمال مرارة الدواء وشدة الصبر عن المشتهيات بعلاج الأبدان المريضة فلا بد من احتمال مرارة المجاهدة بالصبر على العبادة لمداواة مرض القلب بل ذلك أولى فإن مرض البدن يخلص منه بالموت ومرض القلب العياذ بالله عذاب يدوم بعد الموت أبد الآباد وأصل تهذيب النفس أن يقف الإنسان على عيوب نفسه فمن كملت بصيرته لم تخف عليه عيوبه فإذا عرف العيوب أمكنه الخروج منها وأكثر الخلق جاهلون بعيوب أنفسهم يرون القذى ( 3 ) في عين غيرهم . ولا يرون الجذع ( 4 ) في
--> ( 1 ) يقال : لفلان قريحة أي ملكة يقدر بها على استنباط العلم بجودة الطبع . ( 2 ) الزي بالكسر الهيئة وتزيي الرجل بزي القوم : ليس كما يلبسون وفي بعض النسخ [ ليتربى ] . ( 3 ) القذي : ما يقع في العين أو الشراب من تبنة ونحوها . ( 4 ) الجذع بالكسر ساق النخلة .